الذهبي

77

الأمصار ذوات الآثار

كما كان للخليفة المستنصر باللّه خزانة كتب خاصة غير الخزانة العظيمة ، العديمة المثل التي وقفها « 1 » على المدرسة المستنصرية ، وقد بنى المستنصر هذه المدرسة العظيمة الجامعة سنة 631 ، ووقف عليها أوقافا عظيمة جدا ، وجعل فيها دروسا في الفقه على المذاهب الأربعة ، وهو أول من ابتكر هذه الفكرة ، كما جعل فيها دورا للقرآن ، والحديث ، والعربية ، والفرائض ، والطب ، والرياضة . وكان لآخر خلفاء العباسيين في بغداد ، وهو المستعصم باللّه الشهيد خزانتان عظيمتان من الكتب ، وقد بنى مدرسة للحنابلة ببغداد . ( ب ) عناية ملوك وسلاطين المشرق ببناء المراكز العلمية : عرفت المكتبات في المشرق منذ زمن بعيد ، أما المدارس فقد حدثت في وقت متأخر عنها ، وكان أهل المشرق أول من حفظ عنهم بناء المدارس ، قال المقريزي : « والمدارس مما حدث في الإسلام ، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين ، وإنما حدث عملها بعد الأربع مئة من سني الهجرة ، وأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور ، فبنيت بها المدرسة البيهقية ، وبنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة ، وبنى بها أخو السلطان محمود بن سبكتكين مدرسة ، وبني بها أيضا المدرسة السعيدية ، وبني بها أيضا مدرسة رابعة ، وأشهر ما بني في القديم المدرسة النّظامية ببغداد » « 2 » . ففي بلاد ما وراء النهر أنشأ نوح بن نصر صاحب الدولة السامانية مكتبة كبيرة ببخارى ، كانت من عجائب مكتبات الدنيا ، وكانت بخارى في عهد السامانيين أعظم المراكز العلمية في المشرق الإسلامي الأقصى .

--> ( 1 ) كان المستنصر من أشد الخلفاء رغبة في جمع الكتب ، ووقفها ، حتى بيعت كتب العلم في زمنه بأغلى الأثمان . ( 2 ) المواعظ والاعتبار 2 / 363 ، وانظر : علماء النّظاميات ومدارس المشرق الإسلامي 4 - 5 .